الشيخ محمد رضا النعماني

122

الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار

فكان رحمه الله يذهب في ذلك الوقت إلى المسجد حافي القدمين ، وكنت أطوف معه ، فوالله ما تمكّنت من إكمال شوط واحد ، حتّى قطعت طوافي وذهبت مسرعا إلى الظل ، فقد شعرت أن باطن قدمي قد التهب من شدّة الحرّ ، وما طفت في تلك الساعة إلا منتعلا . فكنت أعجب من حال السيد الشهيد رحمه الله وهو يطوف ويصلّي ، وكأنّه في الجو الطبيعي الملائم ، فسألته يوما بعد عودتنا من المسجد الحرام عن هذه القدرة العجيبة من التحمّل ، فقال : ( ما دمت في المسجد الحرام لا أشعر بالحرارة ، نعم بعد أن أعود إلى الفندق أحس بألم في قدمي ) . ولم يكن ذلك إلا بسبب انقطاعه وتوجّهه إلى الله تعالى ، وإلا فإنّه ( رضوان الله عليه ) كان يتضايق من الحرّ في الظروف الطبيعيّة . وذهبت معه في المدينة المنوّرة إلى البقيع لزيارة الأئمة الأطهار عليهم السلام ، فدخل من الباب حافي القدمين بخشوع وخضوع ، فاقترب من قبور أجداده الأطهار وبدأ بزيارتهم وكأنّهم أمامه يراهم ويرونه ، والدموع تنهمر من عينيه دون انقطاع ، وقد حلّق إلى عالم آخر في مشهد فريد من الولاء والحب لأهل البيت عليهم السلام ( 1 ) . وكان لهذا الصفاء آثاره ، وكان لهذا الانقطاع دوره في وقوع بعض الكرامات ، ( 1 ) في هذه السفرة حشدت السلطة عددا كبيرا من قوات الأمن رجالا ونساءا لمراقبة السيد الشهيد ، بدأوا مسيرتهم معنا من مطار بغداد ، فكانوا معنا في الطائرة ، وفي الفندق ، وفي كل مكان . ولم نكن بحاجة إلى جهود كبيرة لكشفهم ، فهم ومن خلال تصرفاتهم وأسئلتهم كشفوا عن هويتهم منذ اليوم الأول . وقد اضطرت السلطة في تلك الفترة بسبب توهمها بأن السيد الشهيد رحمه الله يحاول الخروج من الحجاز إلى لبنان ، وكان سبب ذلك أننا سحبنا جوازات السفر التي كانت مودعة عند إدارة الفندق لغرض تصريف بعض المال في البنك ، فظنوا أن هذه مقدمة للهروب ، فاتصلوا ببغداد ، فحضر مساعد مدير الشعبة الخامسة المعروف ب - ( فيصل ) ، وهو من أهل الفلوجة ، مجرم معروف بالوحشية والعنف ، فكان يشرف بنفسه على مراقبتنا حتى اللحظة التي وصل فيها السيد الشهيد إلى مطار بغداد .